العيني

145

عمدة القاري

رأسي ، وفي المسألة قول ثالث إنه مشترك بينهما . الثاني والعشرون : فيه أن التحليل والتحريم من عند الله لا مدخل لبشر فيه ، وأن ذلك لا يعرف إلاَّ منه فعلاً وقولاً وتقريراً . الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل : إن قوله : ( إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ) يعارضه قوله : عليه السلام : ( إن إبراهيم حرم مكة . . . ) الحديث . وأجيب : بأن نسبة الحكم لإبراهيم على معنى التبليغ ، فيحتمل أن تحريم إبراهيم لها بإعلام الله تعالى أنه حرمها ، فتحريمه لها بتحريم الله لا باجتهاده ، أوكل الله إليه تحريمها فكان عن أمر الله ، فأضيف إلى الله مرة لذلك ، ومرة لإبراهيم ، أو أنه دعى إليه فكان تحريم الله لها بدعوته . قال الماوردي وغيره من العلماء : قيل : إن مكة ما زالت محرمة من يوم خلق الله السماوات والأرض . وقيل : كانت حلالاً إلى زمن إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، والأول قول الأكثرين وأوفق للحديث . وأجيب : عن حديث إبراهيم بأن التحريم كان خفياً ثم أظهره إبراهيم ، عليه السلام ، وقال أصحاب القول الثاني : إن معنى الحديث أن الله كتب في اللوح المحفوظ وغيره يوم خلق السماوات والأرض : إن إبراهيم سيحرم مكة ، بإذن الله تعالى . ومنها ما قيل : لِمَ خصص من بين ما يجب به الإيمان هذين اللفظين : الإيمان بالله واليوم الآخر أي القيامة ؟ أجيب : بأن الأول إشارة إلى المبدأ والثاني إلى المعاد ، والبواقي داخلة تحتهما . ومنها ما قيل : لِمَ سمي يوم القيامة اليوم الآخر ؟ أجيب : بأنه لا ليل بعده ، ولا يقال : يوم إلاَّ لمَا تقدمه ليل . ومنها ما قيل : هل أحل للنبي ، عليه الصلاة والسلام ، في الساعة التي أحلت له مكة سائر الأشياء ؟ أجيب : بأنه أحلت له في تلك الساعة : الدم دون الصيد ، وقطع الشجر ، وسائر ما حرم الله على الناس . 105 حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قالَ : حدّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عَنْ مُحمَّدٍ عنِ ابنِ أبي بَكْرَةَ ، عنْ أبي بَكْرَةَ ذُكِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قالَ : ( فإنّ دِمَاءَكُمْ وأموَالَكُمْ ) . قالَ مُحمَّدٌ : وأحْسِبُهُ قالَ : وأعْرَاضَكُمْ : ( عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَة يَوْمكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا ، ألا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ ) وكانَ مُحَمَّدٌ يَقُولَ : صَدَقَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، كانَ ذَلِكَ ، ( ألاَ هَلْ بَلَّغْتُ ) . مَرَّتَيْنِ . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : ( ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب ) . بيان رجاله : وهم خمسة : الأول : عبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجبي ، بفتح الحاء المهملة والجيم والباء الموحدة البصري انفرد البخاري بالإخراج عنه ، وروى النسائي عن رجل عنه ، ولم يخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة ، وهو ثقة ثبت ، وثقه يحيى وآخرون . وقال أبو حاتم : صدوق ثقة ، توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين . الثاني : حماد بن زيد البصري ، وقد تقدم . الثالث : أيوب السختياني ، وقد تقدم . الرابع : محمد بن سيرين وقد مر . الخامس : أبو بكرة ، بفتح الباء الموحدة ، واسمه نفيع ، وقد تقدم . بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه التحديث والعنعنة . ومنها : أن رجاله كلهم بصريون . ومنها : أنه وقع في بعض النسخ : عن محمد عن أبي بكرة بحذف ابن أبي بكرة بينهما ، وفي بعضها : عن محمد بن أبي بكرة بتبديل : عن ، بلفظ ابن ، وكلاهما وهم فاحش . وقال الشيخ قطب الدين : وأما سند هذا الحديث فقد وقع في البخاري فيه اضطراب من الرواة عن الفربري . قال أبو علي الغساني : وقع في نسخة أبي ذر الهروي ، فيما قيده عن الحموي وأبي الهيثم عن الفربري : عن محمد عن أبي بكرة ، هنا سقط ابن أبي بكرة . ورواه سائر رواة الفربري ، بإثبات ابن أبي بكرة بين محمد وأبي بكرة ، ووقع الخلل فيه أيضا في كتاب بدء الخلق والمغازي ، وقال أبو الحسن القابسي : في نسخة أبي زيد أيوب : عن محمد بن أبي بكرة ، وفي نسخة الأصيلي : محمد عن أبي بكرة على الصواب . وذكر الدارقطني في ( كتاب العلل ) : إن إسماعيل بن علية وعبد الوارث روياه عن أيوب عن محمد عن أبي بكرة ، لم يذكرا بينهما أحدا ، وكذا رواه يونس : عن عبيد عن محمد بن سيرين عن أبي بكرة ، ورواه قرة بن خالد : عن محمد بن سيرين . قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة ورجل آخر أفضل من عبد الرحمن . وسماه أبو عامر العقدي : حميد بن عبد الرحمن الحميري . انتهى كلامه . وقال الغساني : اتصال هذا الإسناد وصوابه أن يكون : عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه وعن محمد بن سيرين أيضا عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي بكرة ، رضي الله عنه . قلت : الصواب الذي ذكره